ابن بسام

16

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الأحبة : فنزلا يومئذ معا في سلطانهما قصر [ 1 ] الإمارة مختلطين ، يجمعهما في أكثر أوقاتهما مائدة واحدة ، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفراش ومركوب وآلة ، ولا ينفردان إلا في الحرم خاصة . على أن جماعة [ 2 ] حرمهما كنّ مختلطات في منازل القصر ، ومستويات في سائر الأمر ، مع أن لمبارك كان التقدم في المخاطبة هنالك في حقيقة رسوم الإمارة ، لفضل صرامة ونكراء كانتا فيه ، يقصّر فيهما مظفر لدماثة خلقه وانحطاطه لصاحبه في سائر أمره ، ورضاه بكل فعله ، على زيادة مظفر - زعموا - عليه ببعض كتابة ساذجة وفروسية . وبلغت جبايتهما لأول أيامهما إلى مائة وعشرين ألف دينار في الشهر : سبعون ببلنسية وخمسون بشاطبة ، فيستخرجانها بأشدّ العنف من / كلّ صنف ، حتى تساقطت الرعية وجلت [ 3 ] أولا فأولا ، وخربت أقاليمهم آخرا ، فأقبلت الدنيا يومئذ عليهما وعلى نظرائهما بكثرة الخراج ، وتبوءوا البحبوحة بحيث لا يغاورون عدوا ، ولا تطرقهم نائبة تضمّهم لها [ 4 ] نفقة حادثة ، فانتعشوا وكثروا ، ولحق بهم ، لأوّل أمرهم ، من موالي المسلمين ومن أجناس الصقلب والافرنجة والبشكنس عشيرتهم ، ودربوا على الركوب ، حتى تلاحق [ 5 ] ببلنسية [ ونواحيها ] جماعة من هؤلاء الأصناف ، فوارس برزوا في البسالة والثّقاف ، وانفتح على المسلمين [ ببلد الأندلس ] [ 6 ] باب شديد في إباقة العبيد ، إذ نزع إليهم كلّ شريد طريد ، وكل عاقّ مشاقّ ، وزهدوا في الأحرار وأبنائهم ممن طرأ منهم عليهم ، فلم يواسوهم ؛ وانتمت جماعة هذه الأخلاط [ 7 ] الممتهنة الأصاغر معهم إلى ولاء بني عامر ، وانتفت عن نسبها ابتغاء عرض الدنيا ، فكثروا وازدادوا ؛ وطلبت هذه العبدي المجابيب لما اتسعت لهم الدنيا فاخر الأسلحة والآلات ، والخيل المقربات ، ونفائس الحليّ والحلل ، فصارت دولتهم لأول وقتها أسرى الدول ، ولحق بهم كلّ عريف ، ورئيس كلّ صناعة معروف ، فنفق سوق المتاع لديهم ، وجلبت كلّ ذخيرة إليهم .

--> [ 1 ] د ط س والإحاطة : بقصر . [ 2 ] م : جماعات . [ 3 ] م : وجلوا . [ 4 ] البيان : تضمهم إلى . [ 5 ] د ط س : لحق . [ 6 ] د ط س : بباب الأندلس . [ 7 ] م : الأصناف .